ابن أبي الحديد
299
شرح نهج البلاغة
وكثرت الجراح ، وتقصفت الرماح ، وبرزت إلى أمير المؤمنين مصاولا ، فانكفأ نحوك بالسيف حاملا ، فلما رأيت الكواشر من الموت ، أعددت حيلة السلامة قبل لقائه ، والانكفاء عنه بعد إجابة دعائه ، فمنحته - رجاء النجاة - عورتك ، وكشفت له خوف بأسه سوأتك ، حذرا أن يصطلمك بسطوته ، ويلتهمك بحملته ، ثم أشرت على معاوية كالناصح له بمبارزته ، وحسنت له التعرض لمكافحته ، رجاء أن تكتفي مؤنته ، وتعدم صورته ، فعلم غل صدرك ، وما انحنت عليه من النفاق أضلعك ، وعرف مقر سهمك في غرضك . فاكفف غرب لسانك ، واقمع عوراء لفظك ، فإنك لمن أسد خادر ( 1 ) وبحر زاخر إن تبرزت للأسد افترسك ، وإن عمت في البحر قمسك ( 2 ) . فقال مروان بن الحكم : يا بن عباس إنك لتصرف أنيابك ، وتوري نارك ، كأنك ترجو الغلبة وتؤمل العافية ، ولولا حلم أمير المؤمنين عنكم لتناولكم بأقصر أنامله ، فأوردكم منهلا بعيدا صدره ، ولعمري لئن سطا بكم ليأخذن بعض حقه منكم ، ولئن عفا عن جرائركم فقديما ما نسب إلى ذلك . فقال ابن عباس : وإنك لتقول ذلك يا عدو الله ، وطريد رسول الله ، والمباح دمه ، والداخل بين عثمان ورعيته ، بما حملهم على قطع أوداجه ، وركوب أثباجه ! أما والله لو طلب معاوية ثأره لآخذك به ، ولو نظر في أمر عثمان لوجدك أوله وآخره . وأما قولك لي : ( إنك لتصرف أنيابك ، وتوري نارك ) ، فسل معاوية وعمرا يخبراك ليلة الهرير ، كيف ثباتنا للمثلات ، واستخفافنا بالمعضلات ، وصدق جلادنا عند المصاولة وصبرنا
--> ( 1 ) أسد خادر : مقيم في خدره . ( 2 ) فمسك : غمسك ، وفى ( ا ) : ( غمسك ) .